مصافحة أندلسية

شارك
القصيدة
شارك
التدوينة
تم

المجاز في اللغة لا يَرفضُهُ موضعٌ، ولا تُقاومه قريحة الكتابة، سواء كان مقبولًا أم شاطحًا، فهو كمثل عصا موسى، يُعرب عمَّا تعوزه دِقَّة التعبير. والمجاز في أحيان كثيرة -تمهيدًا ومواساةً لحالتي- مُنقذي حين ينعقد القلم، وتعجز الكلمات عن الإفصاح والتوصيف والتصوير. ومع ذلك فشلْتُ حين توسَّلْتُ بأدواتِ المجاز في نحت صورة كاملة لما عشتُه لخمس ليالٍ في الأندلس.

إشبيلية

بدعوة خاصة من المُعتمد بن عباد، وصلنا إلى مطار إشبيلية. رحّبت بنا الشوارع الفسيحة، وظلّلتنا أشجارها، ونهر الوادي الكبير الهادئ، وبرج الذهب الذي حَمَى المدينة بأعينٍ تُراقب عبور البارجات، ومئذنة الجامع التي كانت في عصرها الأطول كما يروي المؤرخون.

إشبيلية، المدينة المُتَّسعة عمرانًا وتاريخًا وتراثًا، تُشعرك بسكينةٍ هادئة، وتُغويك بالفلامنكو، الرقصة التي رمّزتها أسطورةٌ خياليةٌ عن "الفلاح المنكوب"، كنايةً عن انتهاء حقبة المُسلمين. وكلما استنشقتُ هواء تلك المدينة، قال صدرُك: شكرًا لمسحة الشَّجن النديَّة.

زُرنا مُضيّفنا في قصره المُورِق، كان متحفًا فنيًا عاليَ القيمة، والدخول في دهاليزه يَمضي بك إلى متاهاتٍ لا تودّ الخروج منها. ومثل معظم قصور المعمار الإسلامي في الأندلس، كانوا يفرضون هيمنتهم بالفن، وينقشون هيبتهم بالزخارف والعبارات على جدرانهم الناطقة. في "بهو السفراء"، تلك القاعة التي تستقبل الوفود وسفراء الإمارات والدول، تجدُ التصميم الداخلي وقد وصل إلى ذروته، والعباراتُ التي تتخلَّلُه تُدهشُ الزائر، وتُخضِعُ غرورَه بالجبروت المعماري.

"الغبطة المُتّصلة"، عبارة وقعت على عيني وقلبي، وأنا أتأمّل بهوَ السفراء في قصر المعتمد. تسمّرتُ أمام تلك العبارة والمعنى الدقيق الذي كوَّنته الكلمتان في وصْف ذروة المجد التي بلغوها، حدَّ أنهم لا يرون فناءً لهذا المجد المُتّصل من علوم وحضارة ونِعم.

(من حَسنُ كلامه وجب إكرامه)

(الغبطة المتصلة - قصر المورّق)

ربَّما ذاع صيت المعتمد بن عباد في التراث الأندلسي وحُفظتْ قصائده، بسبب قصته الدرامية، التي خُتمت بها حقبة مجده وحكمه بحبسه أسيرًا ونفيه إلى المغرب؛ فعاش فقيرًا منسيًا بعد مجدٍ ما زال أثره باقيًا تحكيه تفاصيل قصره.

رندة

خرجنا من إشبيلية متجهين إلى غرناطة، لكننا وجدنا في الخريطة اسمًا لمدينة نفضتْ في ذواكرنا عن غبار الرّفوف المنسية من كتب التراث وحكايات الأندلس، فقرَّرنا أن نتوقَّف فيها للغداء. انطلقنا إلى رندة، المدينة الجبلية العصية على الاختراق والتي استصعب الأعداء سقوطها، فحاصروها حتى جاع أهلها واستسلموا. وحين نزلنا في أنحائها كانت مُستسلمةً وديعةً كأنها لم تستوعب بعدُ سقوطها الأخير، تُطلُّ على شلالات تشق جبالَها وتركض الجداول على سهولها. كانت وقفةً مُوفَّقة على الطلول وتمهيدًا شجيًا قبيل دخول غرناطة.

غرناطة

زرتُ إسبانيا مرات عدَّة، وزرت جنوبها الأندلسي إلا غرناطة، بسبب أنني أرخيتُ أُذني -على غير عادتي- إلى بعض من قلّلوا من شأنها. ورُبَّما لم أشأ أن أُضيع رحلاتي القصيرة في مدينة لم أجد من يُمجّدها. حرصتُ هذه المرة على زيارتها لأدخل قصر الحمراء، المُعجزة التي قرأت عن معمارها وفلسفتها وآدابها. ولأنها كانت رحلة ثقافية، قصدتُ الانغماس في التجربة الأندلسية بعد قرون من سقوط الأندلس؛ فبحثتُ عن منزل أندلسي، ووجدتُ بيتًا أندلسيًا ذا ثلاثة طوابق يُطلُّ على الحمراء، بحديقة تفوح بثمار الرُّمان والليمون والنارينج. ولأن غرناطة تعني الرُّمان باللاتينية، فقد كانت مزينةً بأشجار الرُّمان في بقاع كثيرة منها.

قُبيل الغروب، دخلنا غرناطة عابرين، فاستسلمتْ أرواحنا لشعور يقبض على صدورنا، وشعور ألفة مفقودة، وحنين إلى منزل قديم. تحفّظ كلٌّ منا على شعوره، مكابرةً، لكننا استسلمنا للأزقة والشوارع والمجد الواقف على جبالها: قصر الحمراء. بلغنا المنزل المقصود بالإقامة بصعوبة وبين أزقة ضيقة. وأشدُّ ما أدهشنا في المنزل، أنه يُشبه بيوتنا القديمة في نجد، البيوت التي أدركنا زمانها، تلك التي تتميز بباحات واسعة وطوب قديم، ومسبح أعاد صدى ضحكات الطفولة مع الأقران في استراحات العائلة بالرياض، لكن من يستطيع أن يقبض الصدى؟

(من عبارات جدران الحمراء "ولا غالب إلا الله" - وبيت شعري)
فاصل:
تعبتُ من محاولات الكتابة عن ذكرياتي هذه في الأندلس، وكل تفصيلة من هذه الرحلة، تستحق كتاباتٍ متصلة، لكنني لن أفتح للكسل مجالًا بالإرجاء، وسأكتب ما أستطيع كتابته الآن.

قصر الحمراء

"في مدخل الحمراء كان لقاؤنا
ما أطيب اللقيا بلا ميعادِ"

نزار قباني

(إطلالة من شرفة البيت على الحمراء قبيل الغروب)

(آثار منازل سادة قصر الحمراء)

كلُّ شيءٍ قرأتُه عن الحمراء، تلاشى حين دخلنا القصر وتُهنا في فردوسه اللامتناهي، نغرق في بحر الأسئلة دون رغبة في النجاة: كيف كان لأهل ذاك الزمان أن يبنوا مثله؟ كيف لأهله وهم أهلنا، الناطقين بلغتنا وآدابنا وثقافتنا، أن يعبروا البحار ويقطعوا الفيافي، وأن يصلوا إلى قلب أوروبا؟ كيف للبدو الحفاة، أن يتقنوا فنًا معماريًا في غاية الترف دون تاريخ معماري وهندسي؟ كيف استطاعوا بناء مدينة "الحمراء" تطل على مدينة "غرناطة" بتعداد سكاني يبلغ قرابة 5000 نسمة تعيش في القصر؟ كيف استطاعوا أن يبهروا العالم -حتى يومنا هذا- بالهندسة التي سقفت بهو السفراء بسبعة ألواح إشارة إلى السماوات السبع؟ كيف استحالت عبارة الأمير المنتصر في معركته مجيبًا على مباركات الناس بالنصر بعبارته "لا غالب إلا الله"، إلى سمةَ نصوص القصر؟ كيف لكل زاوية في القصر معناها الخاص؟ وكيف لبهو السباع هيبته، وكيف يلْتفتُ المهندس المعماري المسلم إلى تصميم شبابيك القصر لتكون منخفضةً حتى ينعم المُصلّون وهم يسجدون لله، بعظمة المكان، ويُسبّحون باسم ربهم الذي فتح لهم هذا الفتح.

ولم يكن ظاهر القصر أقل دهشةً من باطنه. ذابت نظراتنا في "جنة العريف"، وسط الترف والنعيم في أشد أطواره، فتلك الحدائق الغنّاء التي أنشئت خلف أسوار القصر، لتكون مصيفًا لأهله حين كان ابن فرناس في قرطبة يمهّد لاختراع الطيران. وفي جنة العريف ما يقارب 500 نوع من النباتات مختلفة الألوان، والمياه تجري بينها، والمتاهاتٍ ترسم طريقها بين الشجر، تُحفّز العُشّاق على الاختلاء. وسط هذا الترف المتصل، تمد الحديقة ثمارها للناس موردًا غذائيًا لمطبخ الحمراء. فماذا يمكن أن تصنع من 500 نبات مُتنوّع سوى أطباق لا حدَّ لها، ونكهات تفتح أفقًا من التجريب في فن الطعام. وهذا زريابُ على مقربة من غرناطة.. هناك في قرطبة يُعلّم فن الموائد "والإتيكيت" وأسرار الطبخ وعذوبة الألحان! وعليك ألا تستغرب في الأندلس إن وجدت من تجتمع لديه فنون عدَّة، فالمحيط بجماله يُلهم الفنان أو قلْ إن عدوى الفن في هذا المكان الساحر لا مناص منها. أما عن اسمها "جنة العريف"، فقد قيل إن "العريف" هو المهندس. هكذا إذن أتخيَّل اسمها بأنها "جنة المُهندس" الذي صمّمها.  فُتنت بجنة العريف حدّ أني ما استطعتُ تركها إلا بعد ساعات، رغم نطاقها المحدود مقارنةً بالحدائق ذائعة الصيت، لكنّ رحابتها أشرح من أي حديقة زرتُها في حياتي. ومنها منح نزار قوله:

"في طيب جنات العريف ومائهِ.. في الفل في الريحان في الكبّادِ"

وفي حي البيازين، الحي الشعبي لأهل الأندلس، وأسفل قصر الحمراء، هناك حيث نسكن، كان الوصول شاقًا بعض الشيء، إلا في أطرافه وأدناه قرب النهر الصغير، ولكي تبلغ أجمله وأعلاه لا بد لك أن تصعد أدراجًا حجرية وتعبر أزقة ضيقة بعضها لا يتَّسع لمرور السيارات. في ذلك الحي ذي الأزقة الفاتنٌة وإطلالاته على المدينة والحمراء، ما زالت سحنة الحي عربية، لا سيّما الآثار والمعالم والمنازل التي تُشبهنا. هناك تجدُ الحمامات الأندلسية الشبيهة بالطراز الأمويّ، أسقفها مُزخرفة بأشكال هندسية، وُضعت لتُبيّن مواقيت الصلاة؛ فحيث أطلت الشمس من فتحات الأشكال، تحين المواقيت. وهناك أيضًا تجد أول مشفى أندلسي للأمراض العقلية، وأشياء لا حصر لها من الآثار التي تركها الأندلسيون وأضاءت إسبانيا حتى يومنا هذا. في البيازين الحي الذي لا يزال حيًا ومكتظًا بالمحلات والمطاعم العربية، ينطق كُلُّ شيء بالعربية.

(إطلالة على حي البيازين الشعبي)

بعد هذه الزيارة سقطنا جميعًا، مثلما سقطت غرناطة في هوى المدينة! لذا وجدتُ نفسي عائدًا إلى زيارتها بعد شهرين، ولم أفقْ من سحرها حتى يومنا هذا. وعدتُ كذلك لأسكن في ذات المنزل ذي الطوابق الثلاثة الشاهد على المعجزة الأندلسية.

"غرناطةٌ ما لا يزار.. لأنها
وقتٌ.. وهذا الوقت صار حطاما"
محمد عبد الباري

قرطبة

بعد أن سحرتنا غرناطة، دارت بخلدي فكرة إلغاء الذهاب إلى قرطبة. ومن قبل كنت زرت قرطبة، لحضور زواج الشاعر الصديق محمد عبد الباري، الذي أراد إقامة حفل زفافه في أقرب نقطة عربية داخل أوروبا حيث يقطن في باريس؛ فاختار منزلًا أندلسيًا في قرطبة. لقد كانت تلك مُصافحتي الأولى بالأندلس بين فرح الحفل وشجن الأندلس. لقد نَصبَ لنا محمد فخًا شعريًا وشعوريًا بفكرته العبقرية تلك.

لكن، سرعان ما تقهقرنا عن فكرة الإلغاء، وقررنا أن نختم رحلتنا بقرطبة، المحطة الأولى للأندلس. ذهبنا هناك، متجولين حول جامع قرطبة، ذاك الجامع الذي بناه عبد الرحمن الداخل مُستلهمًا تصميم الحرم النبوي، ليُقيم وطنًا عربيًا في قلب أوروبا.

درّة قرطبة هي جامعها. ومن الجامع بوصفه مكانًا للعبادة ومدرسةً لشتى العلوم، خرج ابن رشد وابن حزم وغيرهما من علامات الحضارة العربية في الأندلس. وبعد أن ذهبَتْ قرطبة واستحال الجامع إلى كنيسة، لم يُسمح بالصلاة بهِ سوى لشخصيات إسلامية معدودة، منهم الملك سعود وصدام حسين والمفكر والشاعر الباكستاني محمد إقبال.

(محراب الخليفة في جامع قرطبة)

(حدائق قصر الخليفة)

أشد ما يُعجبني في قرطبة، أناقتها التي تُشعرك بأنك في مدينة متقدّمة. ولا غرابة وهي التي غيّرت فكر أوروبا بعلومها وفلسفتها وفنونها. وأنت تمشي في أزقتها تكتشف تماثيل لأشخاص تعرفهم ولا تعرفهم من الأندلس. وفي قرطبة لا بدَّ أن تمرّ على نُصب شيخنا ابن حزم وابن رشد، وأن تمر كذلك على حجارة الشاعر الكبير ابن زيدون وحبيبته ولّادة بنت المستكفي، وتعبر نصب موسى بن ميمون. وفي ذات ليلة عبرنا أزقةً فوجدنا نُصبًا لرأس فارس عربي عليه اسم "الغافقي"، لكنه لم يكن عبد الرحمن الغافقي فارس معركة بلاط الشهداء على تخوم فرنسا، إنما كان طبيبًا عربيًا، وهو أول من اخترع النظارة الطبية، وأول من أجرى عملية إزالة المياه البيضاء من العين. قل لي إذن، كيف لا أُفتن بهذه المدينة التي أسّستْ علومًا واكتشافات مفصلية في عالم الحضارات!

(أزقة قرطبة)
(الطبيب محمد الغافقي)

أما المشي على جانب النهر، فهو حالة شاعرية لا تنفك عن لذيذ وقْعها. وعند القنطرة، ذاك الجسر، يجد الرَّاجلُ نفسَه بين عالمَيْن: الحي النابض بالجامع والمدينة المُتحضِّرة، والحي الذي كان مرتعًا للهو ومعاقرة الملذَّات. مدينة متسامحة وعقول متّقدة تستوعب كل أجناس الناس، تجمع بين العالم والطبيب اليهودي موسى بن ميمون وعلماء المسلمين مثل ابن رشد، على الصداقة والمودة والإخاء، فكيف لهذه المدينة أن لا تستوعب ما دون ذلك؟

فارقتُ الأندلس ولم تُفارقني وها أنا –وقد وجدت نفسي في أعماق الكتابة عنها- أتخيل أصواتًا عربية في أزقتها، وأيادٍ تصافحني على الأبواب وتدعوني إلى الدخول، فأولئك أهلي، كانوا هنا.. ولم يبقَ منهم سوى جدران تتصدع شوقًا وحنينًا.

أظنني وإن طال الحديث عنها، لن أستطيع وصفًا كما يليق بها، فهذي الأندلس مجاز يُطابق الفردوس، ومن ذهب إليها عاد بشجن لن يفارقه.

(شايٌ وحديث متصل مع الحمراء)
عبدالله الفارس
متخصص في المجالات الثقافية، وتعزيز العلامة الشخصية والوطنية